نعاني منه و تترتب تبعاته على النفس و الأسرة و المحتمع , هو قدر لكن تعامله معه يحوله إلى قنبلة .
الطلاق , الحدث الذي ترفضه القلوب و تنفر من صوت حروفه و تعاقب عليه كل أطرافه باعتبار أنهم جناة لا ضحايا .
الطلاق في الشرع رَفْعُ قيد النكاح المنعقد بين الزوجين بألفاظ مخصوصة , و هو  انفصال الزوجين أحدهما عن الآخر وإبطال زواجهما .
و بتعدد أحكامه و ألفاظه و أوقاته و شروطه يظهر أنه مادة مهمة على المجتمع الوعي بكل تفاصلها قبل الإحجام عليها , لن أتناول أي مبحث شرعي  و الكلام  فيه يطول و لأهل العلم المختصين كلام كثير لكن سأتناول الجانب النفسي لما بعد الطلاق 
لكن من باب العرض لمسمياته الغريبة نعرف طلاق السنة و لكن هناك طلاق الفرار حين يطلق الرجل في مرض الموت فرارا من الميراث حتى لا ترثه زوجته و هناك طلاق الكناية و طلاق المخطئ و طلاق حسن و الطلاق الرجعي و الشفهي و الطلاق على مال و البدعي و التفويض , و البائن و الفرار و مهما تعددت مسمياته يظل الطلاق طلاقا معولا هداما لحياة جديدة .
ما زال المجتمع ينظر بقسوة على الطرفين المطلقين و إن كان يجور في القسوة على المرأة فيضعها في قفص تتوجه فيه أصابع الاتهام لها .
حقيقة الطلاق هو حل فعال للعلاقة الزوجية حين تستحيل و تتكاثف المشاكل حولها و هو مشقة و عذاب و بؤس إذا أراد الطرفان و المحيط بهما فهمه بهذا الشكل, و كم من العلاقات الزوجية نجحت بعد الطلاق لا لسوء الطرفين لكن لعدم توافقهما في نقاط معينة لذا علينا تغيير النظرة للطلاق .
لا شك أن النفسيات ستكون منهكة وصعبة وقت الطلاق و لكن التخطيط له و دراسة ما بعد الطلاق و وقعه على الأبناء إن وجدوا دلالة على الفهم و الوعي  الذي نحتاجه فليس الطلاق انتقام و عبث بالمشاعر و لكنه تسريح بإحسان .
لذا فيجب ثم يجب أن يكون الطلاق مهذبا خاليا من الإيذاء البدني و النفسي بعيدا عن الشتائم و اللمز ثم ينتقل للمحافظة على كل حقوق الطرف الآخر من حفظ الأسرار و ما اُطلع عليه وقت الزواج و هذا محمل مهم يرتكز على الأمانة و التربية الواعية , فلا تشوه الأم صورة الزوج المطلق أمام أبنائه و لا يعنف الأب زوجته المطلقة و يشتمها أمام أبنائها , و حين لا يوجد الأبناء فلا يسعى كل منهما للنميمة بل الستر الستر .
من العبث الانتقام بعد الطلاق و هذا من الأمراض النفسية التي يجب علاجها فمهما تعرض أي من الطرفين للأذى في فترة الزواج لكن هذا لا يبرر مطلقا الاعتداء و التجاوز و كثيرا ما نسمع عن هذه التبعات حتى أن بعض المطلقين يستمرون في التواصل لأجل الشتم أو قد يعمل أحدهما سحرا و يضر الآخر ,و تتجاوز النفوس إن سُمح  لها في هذا , و لعل من الطريف من باب شر البلية ما يُضحك هو الانتقام التقني بكافة وسائله و طرقه من تهكير و اختراق حسابات و إعلان فضائح عبر وسائل التواصل و الابتزاز للطرف الآخر بصور و غيرها مما لا يفعله الكرام .
يقع العبء على الأسرة التي عليها دعم المطلق و تثبيت قواعد الاحترام للعشرة الزوجية التي انقضت و ليس تأليبه و دفعه لأذية الزوجة و أهلها أو قطع الرحم إن كانوا أقرباء و افتعال حروب تؤذي الجميع .
ثم  على أهل الزوجة الهدوء و شرح الأمر أنه خيرا و إن كان في هيئة ضر و التأكيد على المرأة أن تمسك لسانها فلا تبوح بأسرار كانت مع الزوج و لا تخرج مالا حق لها فيه بعد الانفصال , و الدعم النفسي لها بأن الطلاق ليس نهاية حياتها بل قد يكون انطلاق لحياة أفضل .
قال تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ  أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 6].و لا أروع من ديننا الذي حفظ الحق لكل الأطراف المتضررة من الطلاق فعلينا التأمل و النظر و تحويل المحنة إلى منحة جديدة و انطلاق رغم أنه أبغض الحلال .
ثم علينا ألا نظلم الرجل المطلق و ما تتعرض نفسيته له وقت الطلاق و كم الهموم التي تتراكم عليه خصوصا إن كان يحمل محبة للزوجة و لكن الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم يُسَّرع الأمر و يربك الحدث ليتطور .
الطلاق هو خسارة لكل الأسرة لكن بالتخطيط الجيد و دراسة الجدوى ستتحول الخسارة إلى فائدة أقلها الخلاص من مشكلات أكبر و الوصول لحياة مستقرة جديدة بنفوس لا تحمل الضغائن فيبقى للمسلم حق على أخيه المسلم .
تبقى المسئولية على الجميع في التوعية و الوصول لخفض معدلات الطلاق المجنونة و الوصول لثقافة تحفظ الحقوق و دمتم بسعادة .

Comments (6)

On 12 ديسمبر، 2013 8:58 م , lelyan alee يقول...

كلام رائع وحقيقي وأتمنى كلامك يوصل للجميع ..

 
On 13 ديسمبر، 2013 2:06 م , دكتور محمود عبد الناصر نصر يقول...

**************************
سيدة الإبداع ومليكته الأستاذة فاطمة, أعز الله الفكر بكم, ورفع سقف أحباءه على عاتقكم.. لكم كل التحية.
أقول, وإن كان لهيب هاتيك الآفة (أعاذنا الله وجميع أحبائنا منها) ليلفح بلظاه القريبين منه, وأقصد طرفي النزاع, فلا يجب أن نغض الطرف عن شرره المتطاير, وأول من يصيبه هو نتاج تلك الزيجة المتهاوية, أولئك الذين عرفوا بدايتهم وستظل نهايتهم كما الخطاب الغفل, لا يدرون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً, وليس لهم ممن تقع أعينهم عليهم سوى الازدراء والتأفف ومص الشفاه.
هلا وضع المتناحران نصب الأعين ما يترصد هؤلاء البائسين بعد فراقهما؟ تلطع, تسلل, تسول, افتراش شارع, جرائم أحداث, والقائمة لا داعي للاستطراد فيها, فالكل معلوم.
ونرجع ونلوم ذاك الجائع العاري المندس بيننا. وما ذنب من افتقد حضناً دافئاً كان يضمه؟ ما جريرة من افتقدت قبلة حانية في صباحها ومساءها من أب لها أو أم؟ ما جرم من بات يفترش الأرض ويلتحف السماء داعياً مولاه أن تبث الحائط بعض دفئها في جانبيه, وقد أكلهما البرد.
ليتنا نعود إلى رشدنا. ليتنا نراجع أنفسنا مائة مرة قبل أن نقدم خطوة على هذا القرار الشنيع (اللهم قنا دماره). ليتنا ننظر بعين الحذر إلى تلك القنبلة الموقوتة, تنتظر لحظة تنفجر فيها, وحينها لن تفرق الشظايا بين القريب والبعيد, بين الجاني والضحية. فالقارب الغارق لا يفرق بين من هم على ظهره. وحينها لن ينفع الندم..
أسجل إعجابي أستاذة فاطمة بتلكم السلسلة التي أود أن تتابعونها, وسأظل أتابعها بشغف. تلك هي رسالة الأدب.. فلنقول ونقول ونقول.. عسى أن يسمعنا من العاقلين من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أشكر لكم حسن الضيافة في مدونتكم العامرة.. أخوكم محمود.
------------------

 
On 14 ديسمبر، 2013 8:13 م , الأديبة / فاطمة البار يقول...

lelyan alee شكرا لحسن ظنك و الكلام منكم و إليكم فأعينوا على نشره

 
On 14 ديسمبر، 2013 8:20 م , الأديبة / فاطمة البار يقول...

شكر الله لكم دكتورنا الفاضل كريم المرور و جميل الاضافة
لا أفظع من الطلاق الحلال البغيض و الذي يفتت القلوب و يشرد العلاقات و علينا جميعا يقع العبء في التوعية و الثقافة عند حدوثه .
ممتنة لحضورك و متابعتك .

 
On 31 ديسمبر، 2013 2:49 م , غير معرف يقول...

بصراحه مابعد كلامك كلام
موضوع رائع وفي الصميم.. ياليته يوصل لكل شخصين قررو الانفصال؛
وعلى فكرة الصورة جدا معبره=)
أم حامد

 
On 31 ديسمبر، 2013 7:53 م , الأديبة / فاطمة البار يقول...

أشكر متابعتك أم حامد و قرائتك صديقة نسائم الدائمة
لأن الانفصال ليس انتقام أصلا بل هو حياة جديدة لمن لم يتفقا .