( أمة لا تعرف تاريخها لا تُحسن صياغة مستقبلها ) السلطان بايزيد الأول 

كيف نعيد حضارتنا ؟ و ما هي الحضارة التي سنعيدها ؟ و هل نحن فعلا أمة حضارة ؟

كانت تلك أسئلة التقت بجوابات أنيقة من أستاذنا الدكتور الفاضل علي العمري في لقاء الجمعة مساء البارحة ,  كعادته المدهشة 

في أطروحاته بدد الدكتور أغشية رانت حول مفاهيم الحضارة و كيف يمكننا أن نعيدها 

بالطبع لن يتحمل مقال كل الجمال الذي كان بالأمس و لكن حسبنا وقفات و قطفات تذكرنا بذلك الجمع المبارك .

يتسائل الدكتور في بداية حديثه : ما هي الحضارة التي سنعيدها ؟

 ثم يجيب بثلاث كلمات تختصر عمق هذه الحضارة ( التوحيد , العدل , الحرية ) 

فنحن أمة التوحيد و التوحيد هو الجمال الحقيقي والله جميل يجب الجمال , و الحضارة هي صلب التوحيد .

( إن جبهة مع الله لا تنكسر و لو كان ضدها الوجود كله ) كلمات الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله .

من هذه الانطلاقة للعقيدة الصحيحة و السليمة و الواثقة بالله تنطلق حضارتنا الحقة و لو كان ضدها الوجود كله .

فالحضارة قوة في الحق , و تواضع للمسلمين و قوة الحق هذه تتبدى في وجوه كثيرة علّ أجملها ماذكره أن العدل مع النفس هو 

قوة الحق و هو طريق السالكين للعدل و من أبسطه الرفق بها و العدل معها يقول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه و سلم

  ( لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ‏:‏ خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلَكِنْ لِيَقُلْ‏:‏ لَقِسَتْ ) صحيح البخاري ,  لقست أي ضعفت , فترت وفيها من العدل الكثير مع

 هذه النفس التي أكرمها الله بالتوحيد  , و تتجلى دقة الحرص النبوي على التربية الذاتية بما يرفع من شأن النفس و يعزز فيها 

بقاء الخير الذي هو جزء منها .

ثم يكون العدل بمرتبة ثانية مع الناس فلا ظلم لأحد و لو كان على حساب أبسط الأشياء في نظرنا ( وقتنا ) و الذي نظن أنه ملك 

لنا لكن الحقيقة الجميلة التي ذكرها الدكتور ( أنت لست ملك وقتك , فوقت لك ووقت لغيرك ) .

ثم تعتمد الحضارة على ركيزة ثالثة مهمة و هي الحرية التي هي الخروج من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا و الآخرة 

يقول علي بيجو فيتش ( الفن لا ينمو في مجتمع ملحد ) 

فالحرية للناس مطلب أساس للتعبير عن الفكر و الرأي فماذا يريد الحر ؟ أوجد لي بيئة حرة , ثم اجعلني أمارس دور الحرية .

قد يكون للإنسان وجود و لا يكون له حضور فليسع إلى حضوره و حضارته ,و حتى يكون الحضور و الوجود لا بد أن تكون 

القيم موجودة .

لخص عمرو بن العاص بمنطقه العقلي نقاطا مهمة في نظره هي مقومات لبقاء النصارى و بقاء قوتهم التي نشعر بها و من تلك :
هم أحلم الناس عند فتنة ( الحلم ) , و أسرعهم إفاقة بعد مصيبة ( الصبر ) , و أوشكهم كرة بعد فترة ( التخطيط ) , و خيرهم 

لمسكين و يتيم و ضعيف ( المساعدة ) , و أمنعهم من ظلم الملوك ( العدل ) .فبهذه الخمس بقوا و لو تفكرنا لوجدنا أنها 

مقومات حقيقية للبقاء البشري و ما من حضارة زالت إلا و كان فيها بعدا عن أحد هؤلاء الخمس .

يقول مالك بن نبي : فرق بين الإنتاج الحضاري و التكديس الحضاري , قالوا الحضارة شئ عالمي و احد و لا فرق بين 

الحضارات و تلك أغلوطة كبيرة في الحضارة فثمة فرق بين  الحضارة الشرقية و الغربية و من خلال أقوال المتقدمين و 

المتأخرين من الفلاسفة و المفكرين المسلمين و غير المسلمين ستتجلى معاني الحضارة و للعقل الواعي أن يدرك ماهيتها .

في كتاب قصة الحضارة لـ ويل ديورانت يذكر ملخصاته عن الحضارة عند الأوروبين قائلا : هي نظام اجتماعي يعين الإنسان 

على الزيادة في إنتاجه الثقافي و يتالف من أربع عناصر : الموارد الاقتصادية , النظم السياسية , التقاليد الخلقية , متابعة العلوم 

و الفنون , فإذا وجدت هذه الأربع وجدت الحضارة و كانت الحضارة .

و عند عودتنا لمنبعنا الأصيل نبينا  قدوتنا المعلم الحضاري الإنساني نجده يخبر عن هود تلك السورة التي امتلئت بحكايا 

حضارات ست زالت فيقول ( شيبتي هود و أخواتها ) فبماذا شيبتك يا حبيبي يا رسول الله إلا بما ملأها من ذكرى عظيمة .

كان للحضارة معاني مختلفة عند الفرنسيين الذين يصنفونها بأنها الهوية بينما ردد الألمان أنها المال .

يقول تايلر الفيلسوف الانجليزي : الحضارة ذلك الكيان المعقد الذي يضم المعرفة و المعتقدات و الفنون و الآداب و القوانين و 

العادات و جميع التقاليد )

و لـ تومبي الفيلسوف في كتابه الموجز في الحضارات : الحضارة التي ستبقى فيها صفتين التحدي و الاستجابة .

و قد قال قبلهم الامام القاضي المؤرخ المعروف ابن خلدون رحمه الله : أي حضارة لن تكون إلا بالاستماتة و الادراك .

عند الأمريكيين تكون معنى الحضارة كما عبر عنها ويليام هوز : الحضارة أي شيء يساعد الإنسان على تحقيق إنسانيته ) .

فكل تفكير الإنسان في مشكلة الإنسان هو تفكير في مشكلة الحضارة كما يخبرنا مالك بن نبي .

و قد أبدع المسلمون في تعريف الحضارة لأنهم هم أهل الحضارة الحقة , لمحمد أبو ريدة في كتابه روح الحضارة  (جملة حياة 

الإنسان الذي استعمل فكره و خياله و يديه في ترقية ذاته و تعهد ملكاته ) 

و مع مالك بن نبي مرات و مرات يقول هنا ( الحضارة ثلاثة أشياء إنسان و زمن و تراب ) , و ينتقل أبو الحاج القاسم المفكر

 السوداني قائلا ( إن الحضارة هي الإنسانية العالمية ) , و لمحسن عبد الحميد تعريف أنيق يقول فيه ( حركة الأنشطة الإنسانية  

و تفاعلها عبر الزمن لأداء خلافة الله في الأرض لتحويل الوحي الإلهي عقيدة و شريعة و أخلاقا إلى عمران مستفيدة من حركة 

الأمم و الشعوب الحضارية لخدمة بني الإنسان مسلمين و غير مسلمين من مبدأ كون الخالق جل و علا رب العالمين ) .

و يذكر محمد قطب  ( الحضارة هي كل الجهد الذي يملأ المسافة بين الاستجابة الغريزية و الأداء الإنساني ) .

ثم لخص الدكتور كلمات أخيرة لـ كيف نعيد حضاراتنا بعد شرح مسهب فيها :

1- توحيد القرائتين فالقراءة الأولى ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ثم القراءة الثانية ( اقرأ و ربك الأكرم )  فنحتوي بهاتين 

القرائتين كل العلوم .

2- توحيد القيامين ( قيام النهار فرسان بالنهار و قيام الليل رهبان بالليل ) و قد لطف معناهما في مطلع السورتين المدثر( قم

 فأنذر ) العمل ,  و المزمل ( قم الليل ) رهبان الليل العبدة .

3- تمركز الأسئلة المحورية فكل أمة حضارة يجب أن يكون لديها أسئلة محورية عن حياتها .

4- تمركز القوى العصرية فعلينا أن نقرأ كيف تتحرك الأمم و يتحرك العصر اليوم و ما هي أدورانا المناطة فيه .

5- الوصول إلى الموازيين المعرفية فكل إنسان متوازن يسمع المعلومة فيقلبها ثم يزنها ثم يناقشها ليحقق توازنه الحقيقي .

6- الوصول إلى الموازيين الربانية .

كان هذا باختصار قلمي و فهمي لمحاضرة الأمس , وفق الله الدكتور المفكر علي العمري و إلى لقاء متجدد مع ناضج فكره .

                                                                                                                                                كتبته : فاطمة حسن البار 

Comments (0)